أحمد الشرباصي

173

موسوعة اخلاق القرآن

وهم العوام - وهو غنى مجازا - ومنهم من يعنيه بتصفية أحواله ، وهم الخواص - وهو الغنى الحقيقي ، لأن احتياج الخلق إلى همة صاحب الحال أكثر من احتياجهم إلى لقمة صاحب المال » . وهي عبارة تثير الذهن ليمضي في شؤون من الفكر وشجون . ولا يستحق اسم « الغني » في الحقيقة الا الله عز شأنه ، لأنهم عرّفوا وصف « الغنى » بأنه « الملك التام » ، فمن كان مالكا من وجه دون وجه ، فليس غنيا ، والله وحده هو « الغني » المالك من كل وجه ، وما سواه فهو فقير اليه . ولذلك قال ابن الأثير : الله الغني الذي لا يحتاج إلى أحد في شيء ، وكل أحد يحتاج اليه ، وهذا هو الغنى المطلق ، ولا يشارك الله تعالى فيه غيره ، وهو المغني الذي يغني من يشاء من عباده . ولقد تحدثت في حلقة من سلسلة « أخلاق القرآن » عن فضيلة « الافتقار إلى الله » . وقد يقول قائل : ألا يغني هذا الحديث عن الكلام عن : « الغنى بالله » ؟ . والجواب عن هذا السؤال يوجد في عبارة للإمام ابن القيم يقول فيها : « ومن منازل ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) منزلة الغنى العالي ، وهو نوعان : غنى بالله وغنى عن غير الله ، وهما حقيقة الفقر ، ولكن أرباب الطريق أفردوا للغنى منزلة » . وإذا كان الغنى بالله فضيلة من فضائل القرآن الكريم ، وجانبا من هدى الرسول الكريم ، فقد قالوا إن الغنى بالله درجات : درجة غنى القلب ، بمعنى تعلقه بالله وحده ، دون تعلق بغيره ، أو تطلع إلى سواه ، ثم غنى النفس - والنفس من جنود القلب - وهو أن تصبح سالمة من تطلعها إلى حظوظ الحياة ، وبراءتها من آفة المراءاة ، حيث لا تريد بأعمالها وأقوالها وأحوالها غير وجه الله ، وتدوم على التوجه إلى الله ، والطلب منه وحده ثم الغنى بالحق ، ورؤية الانسان جلال ربه قبل كل شيء .